السيد محمد باقر الصدر

60

المدرسة القرآنية ( تراث الشهيد الصدر ج 19 )

عليك وعلى كلمتك وعلى دعوتك ، ولهذا صار أمامهم طريق واحد وهو إخراجك من مكة . وهناك سنّة من سنن التاريخ - سوف يأتي إن شاء اللَّه شرحها بعد ذلك - يشار إليها في هذه الآية الكريمة ، وهي أنّه إذا وصلت عملية المعارضة إلى مستوى إخراج النبي من هذا البلد ، بعد عجز هذه المعارضة عن كل الوسائل والأساليب الأخرى ، فإنّهم لا يلبثون إلّاقليلًا . ليس المقصود من : أنّهم لا يلبثون إلّاقليلًا ، يعني أنّه سوف ينزل عليهم عذاب اللَّه سبحانه وتعالى من السماء ؛ لأنّ أهل مكة أخرجوا رسول اللَّه بعد نزول هذه السورة ، استفزّوه وأرعبوه ، وخرج رسول اللَّه صلى الله عليه وآله من مكّة إذ لم يجد له ملجأً وأماناً في مكة ، خرج إلى المدينة ولم ينزل عذاب من السماء على أهل مكة ، وإنّما المقصود في أكبر الظن من هذا التعبير أنّهم لا يمكثون كجماعة صامدة معارضة يعني كموقع اجتماعي لا يمكثون ، لا كاناس ، كبشر ، وإنّما هذا الموقع سوف ينهار نتيجة هذه العملية ، سوف ينهار هذا الموقع ، لا يمكثون إلّاقليلًا ؛ لأنّ هذه النبوة التي عجز هذا المجتمع عن تطويقها سوف تستطيع بعد ذلك أن تهزّ هذه الجماعة كموقع للمعارضة . وهذا ما وقع فعلًا ، فإنّ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله حينما اخرج من مكة لم يمكثوا بعده إلّاقليلًا ؛ إذ فقدت المعارضة في مكة موقعها ، وتحولت مكة إلى جزء من دار الإسلام بعد سنين معدودة . إذن الآية تتحدّث عن سنة من سنن التاريخ ، وتؤكد وتقول : « وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا » . « قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ » « 1 » .

--> ( 1 ) آل عمران : 137